حكاوي شجرة التُّفاح
قصة قصيرة
دلَّت نظرات الحاج فوزي المشتاقة - التي ظل ثابتًا عليها لعدة ثوانٍ - على أن روحه قد رُدَّت إليه.
وكما توقَّع ابنه الأكبر، حامد، كانت طلّة شقيقه الأصغر كريم، العائد من سفره بعد غُربةٍ لسنواتٍ عدة. كانت العودة مُفاجئة لعائلة فوزي كلها، بما فيهم الحاج فوزي نفسه، ما عدا حامد الذي كان يتحدث معه كريم لعدة ساعات يوميًا ليكون له ونسًا في سفره.
جرى الحاج فوزي والدموع تتطاير من عينيه رغم تكوُّنها منذ لحظاتٍ، وقد هيأ جسده وفتح ذراعيه على مصراعيهما لمعانقة ولده. احتضنا بعضهما البعض والابتسامة تُزيّن فم كريم، ودموع الفرحة قد ملأت البهو الفسيح، ثم مرَّ كريم على جميع أقربائه من مُختَلف درجات القرابة ليبادلهم التحيات الحارّة التي امتد بعضها لدقائقٍ.
ذهب كريم للجلوس مع شقيقه حامد ووالدهما، أمام منظرٍ ريفيٍّ افتقده كريمٌ جدًا. أخذ كريم مع حامد ووالدهما في كل ما يخص القرية، والدولة التي سافر لها كريم، وأحوال العائلة وأوضاع المتغرِّب في غربته، حتى شعروا لدقائق أن المواضيع قد انتهت، قبل أن تلمع عينا حامد بعدما تذكّر موضوعٍ ما، فتكلّم بلهجةٍ قرويةٍ، محدّثًا أباه، قائلًا بنبرة امتزج فيها الرجاء بالترقُّب:
- قُص عليه قصة الشجرة.. شجرة التفاح.
استجاب له الحاج فوزي، ونظر لكريم الذي ابتسم بدوره، قائلًا ببسمةٍ كبيرة بنفس لهجة حامد:
- رغم ظني أن هذه القصة لن تروق لك، لكن اسمع: منذ حوالي ثلاث سنواتٍ، أنشأ أحد جيراننا يجدِّد منزله، فخاف الرجل على ذهب زوجتِه وبعض الممتلكات الثمينة الأخرى، فقرر - في إحدى الليالي المُظلمة - في هزيع الليل الأخير، أن يخبأ تلك الأشياء أسفل حفرةٍ بجوارِ تلك الشجرة، وفعل. وبعد عدةِ أيامٍ، وفي نفس الساعة، قرر أن يهنأ بكنزِه. ولكن قبل أن يمدَّ يده نحو تلك الحفرة، أسقطت الشجرة عليه تفاحةٌ سريعة كرصاصةٍ.. وهو يعلم أن تلك الشجرة لا تطرح تفاحًا! لم يكترث، وأكمل حفره. قبل أن يشق الليلَ صوتَ صراخٍ أيقظنا جميعًا. التفت وراءه، ليجد زوجته تنوح. قد مات أحد أبنائه السبعة! ومنذ ذلك الوقت، كل فترةٍ يدَّعي شخصٌ أنه حاول إخراج كنز الرجل ولكن الشجرة رفضت، بمختلف الطرق.
ثم أشار لها فوزي وهو يتحدث، ونظر لها كريم حتى وجدها.. يفصل بينهم وبين الشجرة سهلٌ ممتد يليه قفرٌ يحيط بها. إن نظرت لها من بعيجٍ ستشعر أنها شجرةٌ قائمةٌ وسط صحراء قاحلة، تصنع تحتها ظلٌ دائريٌّ مخيف. هز كريم رأسه علامة الفهم، وشقيقه يحاول استقراء ردَّة فعله، كان يتوقع أن عينيه ستلمع، وأنه سيندهش. ولما لم يحدث، أكمل، وهو ناظرٌ لنقطةٍ بعيدة تكمن فيها الشجرة:
- إنها شجرة لا تطرح التفاح، لكنها تبثُّ الرعبَ في القلوبِ.
لم يبدُ على كريم التأثر بالكلام، بل لم يبدُ عليه سماع القصةِ أصلًا، كان يفكر فيما سمع.. بالتأكيد تلك التُفّاحة التي سقطت من الشجرة ما هي إلا ثمرة باقية بين غصونها، وقد حان موعدها لتسقط. شعر كريم أن في رواية الرجل صاحب الذهب تهويلٌ بشأن ثقل التفاحة وأثرها، وأما جزء العويل وسببه، فهذا فواردٌ تحت أي ظرف، ولا يرتبط بالضرورة بالشجرة؛ فالوفاة قدرٌ محتوم لا يرتبط بذهبٍ أو نباتٍ أو أي مؤثر خارجي آخر سوى إرادة الخالق. فكّر كريم أيضًا في إمكانية كذب حسني في هذا الشأن لإدّعاء الفقر وقلة الحيلة، وأما جميع من تكلَّموا في هذا الأمر أيضًا كانوا مُبالغين يسيطر عليهم الخوف الذي أخرجوه في صورة شجرة لا حول لها ولا قوة!
انتهى كريم من تفكيره يقول، وهو ناظرٌ إلى تلك الشجرة:
- لا أصدق ذلك، وأظنكما تعلمان هذا. أزعم أن الأساطير - بشكلٍ عام - من صُنع البشر، وأن الخرافةَ سجنٌ نحن من نبني أسواره، ونظل راضين قانعين بمكوثنا بالداخل، ربما خوفًا من أن نعرف بعد حينٍ أننا أضعنا عمرنا في لا شيء.
ظل حامد ناظرًا للأمام قائلًا، وهو غير واعٍ بما يقول أصلًا:
- يجوز.
نظر لكليهما الحاج فوزي نظرة مُستعجبة، وشعرَ أن الأمر مُستحيلٌ؛ فمِن أين لكل من تأثروا عن طريق هذه الشجرة بتلك الحكايات؟! وهل هو ومَن دونه من أهل البلدة كانوا بهذه الحماقة ليصدقوا هذا الوهم، كما ادّعى كريم؟! هذا مُستحيلٌ أيضًا؛ فلقد أصبحت حكاوي شجرة التُفّاح الآن هي الدليل الوحيد أمام عيني فوزي ليثبت لنفسه أنه ليس بهذا الجهل الذي يتصوره الآن، فشعر أن صحة هذه الأسطورة هي المقياس الوحيد لرجاحة تفكيره، وعليه الحِفاظ على هذا الدليل الأوحد بكل ما أوتي من قوة ووسائل.
- ما هذا الذي يجوز يا أحمق؟! وأنت يا كريم، أتكذبني! لا تتحدَ هذه الشجرة لئلا تخيب وتندم!
انتصب كريم في كرسيه مُتحضّرًا للوقوف، وقد تحوّل وجهه للعبوس، وقال بنبرةٍ يسودها الثقة:
- سترى الآن.
قالها ثم نزل من المنزل متوجهًا نحو الشجرة المزعومة بخطواتٍ ثابتةٍ واثقة. رأته سَنيّة ابنة عمه من شُرفة الردهة الصغيرة، فشهقت قارعةً على صدرها من أثر الصدمة، وباقي أهل الدار اجتمعوا على صوتها. قطع كريمٌ حوالي نصف المسافة، والصراخ يزداد، وشقيقه قد انتفض من مكانه بعد إدراكه طيش أخيه.
- إليك العصا، أدِّب بها هذا الأحمق قبل أن يتسبب في مصيبة!
لم يستوعب حامد الأمر، قبل أن يمسك عصا والده ويجري خلف كريم، الذي بدأ يتمتم:
- أنا حزينٌ على هولاء الناسِ.. ليتهم يعلمون أنْ ليست اللعنة إلا صنيعهم!
كان قد دخل إلى ظل الشجرة المحظورة، وخلفه تمامًا حامد اللاهث، الذي جعلته الصدمة يُنزل العصا - عن طريق الخطأ - على أعلى عمود شقيقه الفقري، وأسفل رأسه تمامًا، ليسقط الشاب هامدًا قبل الوقوع في المحظور. ولكن أيّ محظورٍ بعد ما حدث؟
كان الحاج فوزي قد انتصب واقفًا، ونزل من منزله هو الآخَر ليتأمل دامعًا المشهد الذي انتهى بالهلاك المحتوم لابنيه.
قد أدّت الأسطورة دورها على أكمل وجه، واكتملت النبوءة كما عرفها أهل القرية؛ فها هي الجثة التي سقطت عليها التفاحة الثقيلة بمجرد دخولها منطقة “ظل شجرة التُفّاح”، وها هو الجاني - ابنه البكر - الذي ستنتهي حياته على المشتقة بعد ساعاتٍ على الأكثر، والمجني عليه من عائلة المار تحت ظل الشجرة، حسبما نصّت شروط الأسطورة.
ولكن فضّلت الشجرة هذه المرّة التفنُّن في العقاب دون الإخلال بالقواعد والشروط، وانتقت الشجرة المار ذاته. وصوت العويل والصراخ المطلوب لتكتمل النبوءة يدوي بالمكان، قادمًا من منزل شيخ البلد الحاج فوزي، الذي تحدى أحد أهل دارِه الأسطورة وقرر كسرها وتحديها، فجاءه العقاب من قِبَل أهل بيته الذين آمنوا بهذه الأسطورة حتى أصبح عقلهم هو عامل اللعنة بها، الذي تفنن في كتابة أحزن فصول العائلة، وأذرع الأسطورة التي تُنهي من يُفكّر في تحديها ولو كان من صُلبِهم.. وقف الحاج فوزي أمام داره الكبير يتأمل الشجرة، وما يحدث حولها: دم العائد من غربته يملأ أرض وطنه، وشقيقه ينظر لفوزي بعينين حائرتين مصدومتين، غير عالمتين بفداحة فعلهما إلّا بعدما تمّ.
نظر حامد لوالده نظرة طالب العون والمساعدة في أسرع وقت، وقد أصبحت عينه أضعف وأجبن من أن تذرف الدموعَ في هذه اللحظةِ العصيبة، ووالده أصبح كذلك أهشّ من أن يمنحه ما يربو إليه من أملٍ، حتى لو كان المأمول كلمة.
أغمض الرجل عينيه، وترك التفكير فيما هو قادم للتفكير فيما مضى. أحقًا استطاعت فكرةٌ صغيرةٌ تزيّنت في صورة شجرة أن تفكِّك عائلته؟ فكرةٌ لم ترحم أحدًا منهم، وزّعتهم على القبور والسجون وأسِرّة الحُزن المُقيم، والشقاء الأبدي، والتعاسة الدائمة، والأرق المُلازم.. أسطورة شجرة التُفَّاح!
(تمت)




تحفة
😍😍😍😍😍👏